محمد بن جرير الطبري
19
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
ثني محمد بن إسحاق ، قال : ذكر لنا والله أعلم : أن نمرود قال لإِبراهيم فيما يقول : أرأيت إلهك هذا الذي تعبده ، وتدعو إلى عبادته ، وتذكر من قدرته التي تعظمه بها على غيره ، ما هو ؟ قال له إبراهيم : ربي الذي يحيي ويميت . قال نمرود : فأنا أحيي وأميت . فقال له إبراهيم : كيف تحيي وتميت ؟ قال : آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي ، فأقتل أحدهما فأكون قد أمته ، وأعفو عن الآخر فأتركه وأكون قد أحييته . فقال له إبراهيم عند ذلك : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ، فأت بها من المغرب ، أعرف أنه كما تقول فبهت عند ذلك نمرود ، ولم يرجع إليه شيئا ، وعرف أنه لا يطيق ذلك . يقول تعالى ذكره : فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ يعني وقعت عليه الحجة ، يعني نمرود . وقوله : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ يقول : والله لا يهدي أهل الكفر إلى حجة يدحضون بها حجة أهل الحق عند المحاجة والمخاصمة ، لأَن أهل الباطل حججهم داحضة . وقد بينا أن معنى الظلم : وضع الشيء في غير موضعه ، والكافر : وضع جحوده ما جحد في غير موضعه ، فهو بذلك من فعله ظالم لنفسه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثني محمد بن إسحاق : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لا يهديهم في الحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة . القول في تأويل قوله تعالى : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ يعني تعالى ذكره بقوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ نظير الذي عنى بقوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ من تعجيب محمد صلى الله عليه وسلم منه . وقوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ عطف على قوله : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ . وإنما عطف قوله : أَوْ كَالَّذِي على قوله : إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ وإن اختلف لفظاهما ، لتشابه جنسهما ، لأَن قوله ، أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ بمعنى : هل رأيت يا محمد كالذي حاج إبراهيم في ربه ، ثم عطف عليه بقوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ لأَن من شأن العرب العطف بالكلام على معنى نظير له قد تقدمه وإن خالف لفظه لفظه . وقد زعم بعض نحويي البصرة أن " الكاف " في قوله ، أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ زائدة ، وأن المعنى : ألم ترى إلى الذي حاج إبراهيم ، أو الذي مر على قرية . وقد بينا قبل فيما مضى أنه غير جائز أن يكون في كتاب الله شيء لا معنى له بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع . واختلف أهل التأويل في الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ، فقال بعضهم : هو عزير . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال ، ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن ناجية بن كعب : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال : عزير . حدثنا ابن حميد . قال : ثنا يحيى بن واضح ، قال : ثنا أبو خزيمة ، قال : سمعت سليمان بن بريدة في قوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قال : هو عزير . حدثنا بشر ، قال ، ثنا يزيد . قال : ثنا سعيد ، عن قتادة : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال ، ذكر لنا أنه عزير . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن قتادة مثله . حدثت عن عمار ، قال : ثنا ابن أبي جعفر ، عن أبيه أبو جعفر قوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قال : قال الربيع : ذكر لنا والله أعلم أن الذي أتى على القرية هو عزير . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين قال : ثني حجاج عن ابن حريج ، عن عكرمة : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قال : عزير . حدثني موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط عن السدي : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ قال : عزير . حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها إنه هو عزير . حدثني يونس ، قال : قال لنا سالم الخواص : كان ابن عباس يقول : هو عزير . وقال آخرون : هو إرميا بن حلقيا وزعم محمد بن إسحاق أن إرميا هو الخضر . حدثنا بذلك ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا ابن إسحاق ، قال : اسم الخضر فيما كان وهب بن منبه يزعم عن بني إسرائيل ، إرميا بن حلقيا ، وكان من سبط هارون بن عمران . ذكر من